جيل Z.. عقول تُعيد هندسة العالم من خلف الشاشات المضيئة - شبكة جدة الاخبارية

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
جيل Z.. عقول تُعيد هندسة العالم من خلف الشاشات المضيئة - شبكة جدة الاخبارية, اليوم الخميس 15 يناير 2026 10:50 مساءً

في غرفة تغرق في سكون الليل، لا يضيء العتمة سوى وهج أزرق خافت ينبعث من شاشة هاتف ذكي يحمله شاب لم يتجاوز العشرين من عمره، وتتحرك أصابعه بسرعة مذهلة تتجاوز قدرة العين على الملاحقة بين تطبيقات ومحادثات ومقاطع فيديو لا تتعدى مدتها ثوانٍ معدودة.
هذا المشهد الذي يتكرر في ملايين المنازل حول العالم ليس مجرد صورة لشباب يضيعون أوقاتهم، بل هو بوابة لفهم عقلية جيل كامل وُلد وفي يده العالم الرقمي، جيل Z الذي لا يعرف زمناً كان فيه الإنترنت ينقطع عند رفع سماعة الهاتف الأرضي، بل نشأ وهو يتنفس البيانات كما يتنفس الهواء، مما شكل في عقولهم خرائط معرفية وعاطفية تختلف كلياً عمن سبقهم.

"نحن لا ندخل إلى الإنترنت، نحن نعيش فيه؛ فالفصل بين حياتنا الرقمية والواقعية هو مجرد وهم لا يدركه إلا الأجيال الأكبر سناً."

عقول مبرمجة على إيقاع السرعة

إن الغوص في عقلية هذا جيل Z يكشف عن حقيقة مفادها أنهم ليسوا مجرد مستهلكين للتكنولوجيا، بل هم كائنات هجينة تعيش واقعاً يمتزج فيه العالم المادي بالعالم الرقمي دون فواصل تذكر، فالصداقات التي تتكون عبر خوادم الألعاب الإلكترونية لا تقل عمقاً وصدقاً لديهم عن تلك التي تنشأ في فصول الدراسة، وهويتهم الرقمية هي امتداد أصيل لشخصياتهم الحقيقية، وهذا الانغماس الدائم جعلهم يتمتعون بقدرة فائقة على تصفية المعلومات ومعالجتها بسرعة خاطفة، لكنه في الوقت ذاته خلق لديهم نوعاً من قصر النفس تجاه المحتوى الطويل والمعقد، فهم يبحثون عن المعلومة المركزة والنتيجة الفورية، وكأن عقولهم تبرمجت على إيقاع مقاطع الفيديو القصيرة التي لا تمنح الملل فرصة للتسلل.

سقوط الحلم الوظيفي التقليدي.. الصحة النفسية أولاً

وبعيداً عن الشاشات، يحمل جيل Z في داخله روحاً براغماتية واقعية تشكلت تحت وطأة أزمات اقتصادية وبيئية وصحية عالمية شاهدوها بأعينهم في سن مبكرة، مما جعلهم يتخلون عن النظرة الحالمة المفرطة التي ميزت جيل الألفية من قبلهم، ليستبدلوها بنظرة عملية وحذرة تجاه المستقبل والمال والعمل.
لم يعد الحلم الوظيفي التقليدي المتمثل في الجلوس خلف مكتب لثلاثين عاماً يغري هؤلاء الشباب، بل أصبحوا ينظرون إلى الوظيفة كشراكة يجب أن تخدم قيمهم الشخصية وتوفر لهم المرونة الكافية، وهم لا يترددون في رفض فرص عمل مغرية مادياً إذا كانت ستأتي على حساب صحتهم النفسية التي يضعونها في قمة أولوياتهم، متحدثين عن القلق والاكتئاب والاحتراق الوظيفي بصراحة وجرأة كسرت حواجز الصمت التي شيدتها الأجيال السابقة.

"لا نريد وظيفة تستهلك أعمارنا مقابل راتب، نحن نبحث عن عمل يمنحنا حياةً نستحق أن نعيشها بشروطنا الخاصة."

رادار الأصالة.. جيل لا يغفر التصنع

هذه الواقعية تمتد أيضاً لتشمل نظرتهم للمجتمع والاستهلاك، فكلمة السر التي تفتح أبواب عقولهم هي "الأصالة"، إذ يمتلك أبناء جيل Z راداراً حساساً للغاية تجاه التصنع والزيف، فهم لا يثقون في الإعلانات المصقولة بعناية أو المشاهير الذين يظهرون حياة مثالية غير واقعية، بل يميلون لمن يشبههم، لمن يظهر عيوبه قبل ميزاته، ولمن يتحدث بصدق عن معاناته اليومية. هذه الرغبة في الحقيقة المجردة جعلتهم نشطاء بالفطرة، يحملون هموم الكوكب وقضايا العدالة والمساواة على أكتافهم، مستخدمين أدواتهم الرقمية ليس للترفيه فحسب، بل للضغط والتغيير ومحاسبة المؤسسات الكبرى، مما أجبر العلامات التجارية والسياسيين على إعادة التفكير في لغتهم وخطابهم.

المشي على الحبل المشدود نحو المستقبل

في نهاية المطاف، يبدو جيل Z كمن يسير على حبل مشدود بين رغبة جامحة في تغيير العالم وخوف عميق من مستقبل ضبابي، فهم يواجهون ضغوطاً هائلة تفرضها منصات التواصل الاجتماعي التي تدفعهم للمقارنة المستمرة مع الآخرين، ويشعرون بعبء إصلاح ما أفسدته الأجيال السابقة بيئياً واقتصادياً.

ورغم كل الاتهامات التي تطالهم بالهشاشة أو الانعزال، إلا أنهم يثبتون يوماً بعد يوم أنهم جيل مرن، واسع الحيلة، ومصمم على صياغة مفاهيم جديدة للنجاح والسعادة، جيل لا ينتظر المستقبل ليأتيه، بل يصنعه الآن بأدواته الخاصة وبصوته المتفرد الذي لا يقبل التجاهل.

"يتهموننا بالضعف لأننا نتحدث عن مشاعرنا، والحقيقة أن قوتنا تكمن في وعينا الذي يرفض أن يكون مجرد ترساً في آلة قديمة"
 

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق